القرطبي
234
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قتلتني ؟ ! فلا يكون له عذر ، قاله ابن عباس وكان يقرأ " وإذا الموؤودة سألت " وكذلك هو في مصحف أبي . وروى عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن المرأة التي تقتل ولدها تأتي يوم القيامة متعلقا ولدها بثدييها ، ملطخا بدمائه ، فيقول يا رب ، هذه أمي ، وهذه قتلتني ) . والقول الأول عليه الجمهور ، وهو مثل قوله تعالى لعيسى : " أأنت قلت للناس " ، على جهة التوبيخ والتبكيت لهم ، فكذلك سؤال الموؤودة توبيخ لوائدها ، وهو أبلغ من سؤالها عن قتلها ، لان هذا مما لا يصح إلا بذنب ، فبأي ذنب كان ذلك ، فإذا ظهر أنه لا ذنب لها ، كان أعظم في البلية وظهور الحجة على قاتلها . والله أعلم . وقرئ " قتلت " بالتشديد ، وفيه دليل بين على أن أطفال المشركين لا يعذبون ، وعلى أن التعذيب لا يستحق إلا بذنب . قوله تعالى : ( وإذا الصحف نشرت ) أي فتحت بعد أن كانت مطوية ، والمراد صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها ما فعل أهلها من خير وشر ، تطوى بالموت ، وتنشر في يوم القيامة ، فيقف كل إنسان على صحيفته ، فيعلم ما فيها ، فيقول : " مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها " [ الكهف : 49 ] . وروى مرثد بن وداعة قال : إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش ، فتقع صحيفة المؤمن في يده " في جنة عالية " [ الحاقة : 22 ] إلى قوله : " الأيام الخالية " [ الحاقة : 24 ] وتقع صحيفة الكافر في يده " في سموم وحميم " إلى قوله : ولا كريم " [ الواقعة : 42 - 44 ] . وروى عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة ) فقلت : يا رسول الله فكيف بالنساء ؟ قال : ( شغل الناس يا أم سلمة ) . قلت : وما شغلهم ؟ قال : ( نشر الصحف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل ) . وقد مضى في سورة " سبحان " ( 1 ) قول أبي الثوار العدوي : هما نشرتان وطية ، أما ما حييت يا بن آدم فصحيفتك المنشورة فأمل فيها ما شئت ، فإذا مت طويت ، حتى إذا بعثت نشرت " اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا " [ الاسراء : 14 ] . وقال مقاتل : إذا مات المرء طويت صحيفة عمله ، فإذا كان يوم القيامة نشرت . وعن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا قرأها قال : إليك يساق
--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 230 .